
بقلم سحر الساحلي
في “شهر الله”، حيث يُفترض أن تُضاء الفوانيس ابتهاجاً، أُضيئت سماء البقاع والجنوب بنيران المجازر. وفي الساعة التي يرفع فيها الصائم يده بالدعاء، كانت الصواريخ تسبق لقمة الخبز وحبّة التمر، لتمزق السكون وتحوّل الموائد إلى شواهد قبور، والبيوت الآمنة إلى حفرٍ من الركام والأشلاء.
دعونا نكفّ عن تجميل القبح. حين يُقتل طفل في حضن أبيه، وتُمسح عائلة كاملة من السجل العقاري والوجودي في رمشة عين، تسقط كل المصطلحات العسكرية المهذبة. هذه ليست “أضراراً جانبية”، بل هي “سياسة إبادة” تراهن على أن دم اللبناني بات تفصيلاً رخيصاً في بورصة المصالح الدولية.
لكن الأكثر رعباً من صوت الانفجار، هو الهدوء الذي تلاه. ذلك الهدوء البارد، الذي مرّ وكأن شيئاً لم يكن. كأن الألم، مهما بلغ، لا يكفي ليحرّك هذا العالم المتخم بالكلمات الفارغة.
أي عالمٍ هذا الذي يرى ولا يرتجف؟
أي ضميرٍ هذا الذي يسمع ولا يصرخ؟
حين يصبح الموت خبراً عابراً، تصبح الإنسانية نفسها في خطر
يظن القاتل، ويظن الصامتون معه، أن الناس ستعتاد المشهد. يراهنون على أن يصبح الطفل المكفّن بثياب العيد خبراً عادياً في أسفل الشاشة. لكن الأرض لا تعتاد، والأمهات اللواتي يحفرن الركام بالأظافر للبحث عن بقايا حلم لا ينسين.
يا سادة القصور: إن صوت الأطفال تحت الأنقاض أثقل من ضمائركم، ودماءهم ستظل تلاحق صمتكم حتى ينطق الحجر. العالم يكتفي بـ “القلق”، وأنتم تكتفون بـ “الارتهان”، والجنوب والبقاع يودعان الشهيد تلو الشهيد.
في ذلك المساء، لم يُرفع الأذان وحده.
ارتفعت معه أرواحٌ لم تجد وقتاً لتفهم لماذا انتهت.
الطفل الذي كان ينتظر أن يكبر… لن يكبر.
والأم التي كانت تخاف على الجميع… لم يحمِها أحد.
والأب الذي ظنّ أن البيت هو الملاذ… لم يجد ملاذاً
ختاماً..
إنّ الدماء التي سُفكت فوق أرغفة الخبز في البقاع والجنوب ليست ماءً لتتبخر، بل هي كيمياءُ غضبٍ
كم بيتاً يجب أن يُهدم، وكم مائدة إفطار يجب أن تُغمس بالدم، لكي تتحرك فيكم ذرة من كرامة؟
المجزرة مستمرة.. والسكوت عليها ليس حياداً، بل هو الجريمة في أبشع صورها.
في النهاية، لا ننتظر منكم دقيقة صمت، فصمتكم هو الذي قتلنا. ولا ننتظر بياناً، فالحبر الذي لا يكتبه الدم هو ماءٌ عكر.