عملية في الظلام… ونهاية تحت النار/سحر الساحلي

عملية في الظلام… ونهاية تحت النار.
بقلم: سحر الساحلي
لم يكونوا نجوم منصّات ولا أبطال شاشات، بل رجالاً خرجوا من قلب بلداتهم الصغيرة كما يخرج الضوء من بين شقوق الفجر. حملوا سلاحهم كما يحمل الأب قلبه على كتفيه، ومضوا إلى مواجهة عدوٍ ظنّ أن الليل عباءةٌ سوداء تخفي خطواته، وأن القرى الهادئة ستكون لقمةً سائغة في فم الحرب.
بدأت الحكاية حين خرج الناطق باسم جيش الاحتلال ببيانٍ أشبه بإنذارٍ بارد أُلقي في الهواء، يطالب سكان عددٍ من البلدات بالمغادرة. بدا المشهد وكأن الأرض التي روتها دماء أبنائها صارت فجأة ملكاً لغريبٍ يوزّع أوامره كما تُوزَّع نشرات الطقس، بلا ذاكرة ولا جذور.
لكن الكلمات لم تبقَ كلمات.
فما لبثت السماء أن تحوّلت إلى مطرقةٍ من نار. أكثر من ثلاثين غارة انقضّت على محيط بلدة النبي شيت في البقاع كذئابٍ جائعة، فارتجفت الأرض تحت وقع الانفجارات، وتناثر زجاج النوافذ كدموعٍ متكسّرة، وسقط شهداء وجرحى لتكتب البلدة سطراً جديداً في دفتر المواجهة المفتوح منذ سنوات.
وبينما كانت الأيادي ترتفع بالدعاء انتظاراً للإفطار، حاول العدو أن يغرس ظله الثقيل في الأرض. رصدت الكاميرات محاولة إنزال حيث ترجل عناصر من قوات الكوماندوس إلى أطراف المنطقة قبل أن يتراجعوا سريعاً، تاركين خلفهم أسئلةً تتصاعد في الهواء كالدخان.
فمع اقتراب منتصف الليل، ضجّت النبي شيت بحركةٍ غير اعتيادية. عملية إنزال مفاجئة نُفذت في محيط البلدة، شارك فيها نحو أربعين عنصراً من قوات الكوماندوس والمظليين. كانت القوة تتحرك تحت مظلة دعمٍ جوي كثيف من الطائرات الحربية والمروحيات الاستطلاعية، فيما أمّنت القنابل الحرارية والدخانية ستاراً من النار والدخان لحركتها، وكأن الأرض تحولت إلى مسرحٍ للحرب.
وخلال العملية، استهدفت القوة ساحة البلدة بصاروخٍ أحدث حفرةً هائلة بدت كجرحٍ مفتوح في جسد الأرض، كما عُثر لاحقاً على فوارغ رصاص في إشارةٍ إلى كثافة النيران التي اشتعلت في تلك الساعات الثقيلة.
غير أن المفاجأة لم تكن في حجم القوة أو كثافة النيران، بل في الطريقة التي تسللت بها.
فقد دخل بعض العناصر متنكرين كأشباحٍ ترتدي وجوه الآخرين، مستخدمين سيارات ويليس بلباس الجيش اللبناني ولوحات لبنانية، إضافة إلى سيارات إسعاف للتمويه، في مشهدٍ بدا كأن الرحمة نفسها استُخدمت قناعاً للحرب.
لكن ما لم يكن في حسابات القوة المتوغلة كان يقظة الأرض وأهلها.
فما إن انتشر الخبر حتى تحرك عدد من شبان البلدة، ويُعتقد أن بينهم عناصر تابعة لحزب الله. بدأوا بتطويق المنطقة وقطع الطرق المؤدية إلى ساحة البلدة، ولا سيما الطرق التي تربط النبي شيت بالقرى المجاورة ما أتاح للقوة المنفذة الانسحاب لاحقاً.
كثافة إطلاق النار من قبل الأهالي أربكت تحركات القوة المتوغلة، وجعلتها تتراجع سريعاً كما يتراجع ظلٌّ فاجأه الضوء.
مصادر محلية تحدثت عن وقوع إصابات في صفوف القوة المهاجمة، فيما انتهت العملية بانسحابها من دون تحقيق الهدف الذي جاءت من أجله.
غير أن المشهد الأكثر غرابة كان في المقبرة.
هناك، في المكان الذي يفترض أن يكون آخر حصون السكينة، مدّت القوة المتسللة يدها إلى قبرٍ محدد. كُسر الإسمنت الذي يغطيه، ونُبشت الأرض كما يُنبش سرٌّ دفنته السنوات. حفرةٌ صغيرة في ظاهرها، لكنها بدت كأنها جرحٌ في ذاكرة المكان. ويقول الأهالي إن القبر يعود لطفلين صغيرين، ما زاد المشهد ثقلاً وغموضاً.
العملية انتهت كما بدأت:
في الظلام انسحابٌ سريع، أسئلةٌ كثيرة، وبلدةٌ استيقظت على قصةٍ لن تُنسى بسهولة.
لكن السؤال الذي ما زال معلقاً فوق سماء النبي شيت:
ماذا كانت تبحث إسرائيل في تلك المقبرة؟
هل كانت محاولة لاستعادة رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد؟
أم عملية أمنية معقدة تشبه عملياتٍ سابقة شهدها لبنان في سنوات الحرب؟
في النبي شيت، لا تنتهي الحكايات عند ما يُقال.
فهناك دائماً ما يبقى في الظل…
لم تكن الليلة مجرد خبر عابر.
كانت ليلةً انفتحت فيها الأرض على أسئلةٍ كثيرة، وارتفعت فيها رائحة البارود فوق تراب البلدة.
ليلةٌ بدأت بصوت الطائرات وانتهت بأسئلةٍ معلّقة في الهواء.فإنها تفاصيل تُكتب بين أزيز الرصاص، وأسرارٌ يدفنها الليل بانتظار فجرٍ آخر يكشفها.





