الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي: مواطنة كاملة أم حقوق معلّقة؟

الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي: مواطنة كاملة أم حقوق معلّقة؟
إعداد: رودينا محمد طالب
بين هواجس التوازن الديموغرافي وحق المرأة في المساواة، تطرح تجربة أم لبنانية أسئلة تتجاوز جنسية أولادها إلى حقوقها في الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
في لبنان، لا ينحصر الجدل حول منح المرأة حق نقل جنسيتها إلى أولادها في سؤال قانوني عن هوية الأبناء، بل يتشابك مع مخاوف التوازن الديموغرافي والحسابات الطائفية التي تؤثر في الحياة السياسية. وبين من يرى في تعديل قانون الجنسية خطوة نحو المساواة، ومن يخشى انعكاساته على التوازنات القائمة، يبقى سؤال أقل حضورًا في النقاش: ماذا عن حقوق الأم اللبنانية نفسها؟
تحمل المرأة الجنسية اللبنانية، لكنها قد تجد نفسها أمام أسئلة صعبة عندما تتزوج من أجنبي وتؤسس عائلة. فهل تكفي جنسيتها لضمان وصولها إلى الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية؟ أم أن بعض الحقوق التي يفترض أن تتمتع بها كمواطنة تصطدم بشروط الأنظمة والبرامج المعمول بها؟
في حديث خاص لشبكة ABmix، تروي «رحاب» (اسم مستعار)، وهي مواطنة لبنانية متزوجة من أجنبي، أنها اضطرت إلى دفع تكاليف ولادة ابنتها على نفقتها الخاصة، بعدما لم تحصل على التغطية الصحية التي كانت تتوقعها من الوزارة. وتقول إن جنسية زوجها كانت سبب عدم تغطية الولادة، مضيفةً أنها لا تستفيد من برامج الدعم الاجتماعي.
تفتح تجربة رحاب بابًا للتساؤل عن حقوق الأم اللبنانية نفسها، بعيدًا عن الجدل المتعلق بجنسية أولادها. فحين تضطر امرأة تحمل جنسية بلدها إلى تحمّل تكاليف الولادة من مالها الخاص، يصبح السؤال عن المساواة والوصول إلى الرعاية الصحية جزءًا أساسيًا من النقاش حول المواطنة.
قانون الجنسية بين المساواة والهواجس الديموغرافية
يعود قانون الجنسية اللبناني إلى عام 1925، ولا يمنح الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي الحق العام نفسه الذي يتمتع به الأب اللبناني في نقل الجنسية إلى الأولاد. ونتيجة لذلك، لا يكتسب أولاد اللبنانية جنسيتها تلقائيًا لمجرد أن أمهم لبنانية، بل يخضع وضعهم للقواعد القانونية المتعلقة بجنسية الأب والاستثناءات المحددة.
وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته عام 2018، الصعوبات التي تواجه أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب في مجالات الإقامة والعمل والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. وانتقدت المنظمة التمييز في قانون الجنسية اللبناني، مشيرةً إلى أن حرمان المرأة من حق نقل جنسيتها إلى أولادها ينعكس على حياة الأسرة وفرصها.
ويجعل هذا الواقع قضية الجنسية أوسع من مسألة الوثائق الرسمية؛ إذ ترتبط بها أسئلة عن الاستقرار الأسري، والوصول إلى الخدمات، والفرص المتاحة أمام الأولاد في البلد الذي يعيشون فيه.
ماذا تقول الجهات المختصة؟
في المقابل، أعلنت وزارة الصحة العامة، في 2 تموز 2026، استمرار تغطية الطوارئ وبعض الحالات الاستشفائية للبنانيين غير المضمونين، وفق شروط محددة، تشمل المستشفيات الحكومية وعددًا من المستشفيات الخاصة المتعاقدة مع الوزارة. كما أكدت الوزارة استمرار التغطية التي اعتُمدت خلال الحرب، فيما لا تشمل الإجراءات جميع الحالات الاستشفائية.
أما برنامج استهداف الأسر الأكثر فقرًا، التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع رئاسة مجلس الوزراء، فيعتمد معايير محددة لتقييم أهلية الأسر للحصول على المساعدات والمنافع الصحية والاجتماعية.
وبين ما توفره البرامج الرسمية وما ترويه رحاب عن تجربتها، يبرز سؤال حول مدى وصول النساء المتزوجات من أجانب إلى خدمات الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، ومدى وضوح شروط الاستفادة منها.
حين تتقدم الحسابات السياسية على حقوق المرأة
لا يمكن فصل الجدل حول تعديل قانون الجنسية عن طبيعة النظام السياسي اللبناني، حيث يرتبط التمثيل السياسي بالتوازن الطائفي. وقد شكّلت المخاوف من التغيير الديموغرافي، ولا سيما في ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين والسوريين، أحد محاور الاعتراض على منح الأم اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أولادها، خشية انعكاس ذلك على التوازنات السياسية القائمة.
لكن منح الأم حق نقل جنسيتها إلى أولادها يختلف عن التجنيس الجماعي؛ فالمطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل في قانون الجنسية لا تعني تلقائيًا الدعوة إلى التجنيس الجماعي. وبين الهواجس السياسية والحقوق الفردية، يبقى السؤال عن كيفية معالجة المخاوف الديموغرافية من دون إغفال حق المرأة في المساواة أمام القانون.
من حقوق الأم إلى مستقبل أولادها
لا تتوقف مخاوف رحاب عند كلفة الولادة وغياب الدعم الاجتماعي. فهي تخشى أيضًا ما قد يواجهه أولادها مستقبلًا في التعليم والعمل والضمان الاجتماعي، ولا سيما أن غير اللبنانيين قد يخضعون لشروط إضافية للحصول على إجازات العمل أو ممارسة بعض المهن، بحسب جنسيتهم ووضعهم القانوني والقوانين المنظمة لكل قطاع.
وقد تناولت هيومن رايتس ووتش هذه العوائق في تقريرها عن آثار قانون الجنسية على أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب. إلا أن مدى انطباق كل عائق على حالة بعينها يتوقف على جنسية الأب والوضع القانوني للأولاد وطبيعة العمل أو الخدمة المطلوبة.
وبالنسبة إلى رحاب، يرتبط حق أولادها في اكتساب جنسيتها بإمكانية بناء مستقبل أكثر استقرارًا في البلد الذي يعيشون فيه. فهي لا تنظر إلى الجنسية باعتبارها وثيقة فحسب، بل باعتبارها مدخلًا إلى حقوق وفرص تخشى أن تبقى محدودة أمام أبنائها.
مواطنة تسأل عن حقوقها
تكشف هذه القضية عن أسئلة تتجاوز منح الجنسية للأولاد: ما الحقوق الصحية والاجتماعية التي تتمتع بها الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي؟ وهل تتأثر أهليتها لبعض الخدمات بجنسية الزوج، أم بشروط التغطية والبرامج التي تتقدم إليها؟ وما الضمانات المتاحة لأولادها في الإقامة والعمل والتعليم؟
تتطلب الإجابة مراجعة القوانين وشروط البرامج الرسمية والاستماع إلى الجهات المعنية، بدل الاكتفاء بالتجارب الفردية أو الافتراضات السياسية. لكن شهادة رحاب تضع هذه الأسئلة أمام الرأي العام، وتذكّر بأن النقاش حول الجنسية لا يتعلق بالأولاد وحدهم، بل أيضًا بالمرأة التي تحمل جنسية بلدها وتبحث عن ضمانات ملموسة لحقوقها.
وبين هواجس التوازن الديموغرافي ومبدأ المساواة، يبقى السؤال: كيف يمكن معالجة المخاوف السياسية من دون أن تتحول حقوق الأم اللبنانية وأولادها إلى قضية معلّقة؟
⸻
المصادر والمراجع
1. هيومن رايتس ووتش.
2. وزارة الصحة العامة اللبنانية: بيان بشأن استمرار تغطية الطوارئ وبعض الحالات الاستشفائية للبنانيين غير المضمونين،
3. برنامج استهداف الأسر الأكثر فقرًا — رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الشؤون الاجتماعية: معلومات عن معايير الأهلية
والمساعدات الاحتماعية
4-شهادة ميدانية: حديث خاص لشبكة ABmix مع «رحاب» (اسم مستعار)، مواطنة لبنانية متزوجة من أجنبي.




