اخبار لبنان

المنصوري.. قرية تدفع ثمن الخريطة العازلة

اعداد عباس العطار

المنصوري.. قرية تدفع ثمن الخريطة العازلة

منذ مطلع أيلول، لم يعد اسم بلدة المنصوري في قضاء صور يغيب عن نشرات الأخبار. قرية صغيرة تحولت فجأة إلى عنوان رئيسي لأعنف حملة تفجير ممنهجة يشهدها الجنوب منذ وقف إطلاق النار.

في 5 آب، وجه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إنذاراً لسكانها بالإخلاء لمسافة ألف متر. اعتقد الأهالي أنه إنذار ليوم واحد. غادروا. لكنهم لم يعودوا. منذ ذلك اليوم، بدأت آلة التدمير تعمل ليل نهار.

رئيس بلدية المنصوري، حيدر مديحلي، يروي لـ”النهار” ما يجري: “أكثر من 350 وحدة سكنية دمرت، شبكات المياه والكهرباء والهاتف خربت، حتى محيط النادي الحسيني لم يسلم”. ويضيف: “المسيرات كانت تلقي علينا القنابل اليدوية والصوتية، نجوت بأعجوبة مع بعض الأشخاص بعد إصابة سيارتنا داخل أحد البساتين”.

الأرقام التي وثقتها الوكالة الوطنية للإعلام مرعبة: أكثر من 30 تفجيراً في ليلة واحدة بين الجمعة والسبت، سمع دويها في مدينة صور والقرى المحيطة. لم تكن تفجيرات عشوائية. مسيرات إسرائيلية كانت تحمل “غالونات وبراميل متفجرة” وتضعها بدقة على أسطح المنازل ومداخلها قبل تفجيرها. الهدف الأخير كان المدرسة الرسمية للبلدة، فجرت بالكامل.

*لماذا المنصوري؟*

الإجابة ليست في المنصوري نفسها، بل في خريطة رسمها العدو.

أولاً، الموقع. تقع المنصوري على محور البياضة – مجدلزون، بوابة سهل صور الجنوبي. السيطرة النارية عليها تمنح القوات الإسرائيلية المتمركزة في “المنطقة الأمنية” تحكماً مباشراً بمداخل قضاء صور.

ثانياً، سياسة التهجير الممنهج. إسرائيل لا تقصف لتدمر فقط، بل لتفرغ. تدمير 350 منزل والمدرسة والآبار الارتوازية ليس عملاً عسكرياً، بل رسالة واضحة: لا عودة. الهدف هو خلق شريط حدودي مدمر، خالٍ من السكان، يمتد من الناقورة إلى رميش، يمنع أي عودة مدنية ويمنع إعادة تموضع المقاومة.

ثالثاً، الذريعة الجاهزة. يعلن الجيش الإسرائيلي بعد كل غارة أنه استهدف “بنية تحتية لحزب الله” أو أنه اغتال “عنصراً محلياً”. آخرهم محمد علي شويخ. نفس الذريعة التي تستخدمها لتبرير استمرار الخروقات رغم اتفاق 26 يونيو الذي ينص على انسحاب تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني.

المنصوري اليوم ليست مجرد بلدة جنوبية، هي نموذج لمرحلة جديدة من الحرب: حرب ما بعد الحرب. حرب لا تستهدف المقاتل، بل البيت والمدرسة والبئر، لتمحو إمكانية الحياة نفسها.

وما لم يوقف الجيش اللبناني والدولة هذا المسار، ستتحول المنصوري، ومعها خمس قرى أخرى على الشريط، إلى منطقة عازلة بقوة الأمر الواقع، لا بقوة الاتفاقات.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى